كتب محمد الحجيري** ||

The current image has no alternative text. The file name is: image-1791796753.jpg.webp

أتذكر، إن لم تخُنّي الذاكرة، أني سمعت عن عفيف دياب، قبل أن التقيه. يومها لم يكن عفيف، كانوا ينادونه “الرفيق س”. لوقت ليس بالقليل بقي يحمل ذلك الاسم المستعار، مصحوباً بلقب “رفيق”، كتعبير عن الزمالة في النضال. 

ولم يكن السماع عن “الرفيق س” إلا من باب إعجاب رفاقه به وبنضالاته ومثاليته وشجاعته، وفي ذلك بدا لي، مثل الكثير من أقرانه، بطلاً روائياً وقصصياً يعيش حياتَين أو أكثر، حياة علنية، وحياة سرّية تختفي خلف الاسم المستعار. مرات كانت الحياة السرية، لشدّة غوايتها ومثاليتها، تطغى على الحياة العادية والواقعية، تسبقها… كان الذين يعيشون حياة سرية، ينظرون إلى أنفسهم، باعتبارهم متمايزين عن الناس العاديين، أو هكذا كنا نحسبهم في فترة من الفترات، وربما تصطدم حياتهم السرية بالحياة العادية وتنتهي إلى خيبات مديدة. 

صدف أن التقيت بعفيف في مكان عمل واحد، هو الخارج من الحرب والمتاريس مثل الكثير من أبناء جيله، وأنا الآتي إلى المدينة من الأرياف في زمن تهاوي الأحلام الكبرى. وكان عفيف بدأ يعود تدريجياً إلى اسمه الحقيقي، وبقيت حياته السرية السابقة جزءاً من ذاكرته، أو هكذا أوحى في أكثر من مناسبة، وبدأ العمل في الإعلام، بينما انكببتُ على القراءة باحثاً عن وهمٍ ما، أو هارباً من واقع ما.

حين التقيت عفيف بعد صدور روايته “بيجو 405”(*) بعد زمن من الانقطاع، لم يدم اللقاء طويلاً في مقهى يونس، كل منا لديه مواعيده وأشغاله. اقتصرت الأسئلة السريعة عن الأحوال والتحولات والأهل والأصحاب والبلدات الحدودية وتبادل الكتب. اختصر عفيف كلامه عن بلدته الحدودية وواقع الحياة في لبنان وطرق النجاة. والرفيق عفيف الذي كان يفكّر في العودة والاستقرار في بلدته، كان قبل سنوات، بدأ يزرع شتول الكرز والكستناء والزيتون في أرضه، وبدت الزراعة بالنسبة إليه جزءاً من مشروع مستقبلي. 

قال في قرارة نفسه: “حين تبدأ الأشجار تعطي ثمارها وإنتاجها، أترك وظائف المدينة وأعود للاستقرار في بلدتي التي عاشت الحروب منذ بدء الصراع العربي الإسرائيلي، من 1948 حتى 1967 و1982 والاحتلال بين 1978 وأيار 2000، وحتى في فترة ما بعد التحرير بقي جزء من البلدة موضوع نزاع سيادي مثل مزارع شبعا”. لم يكن الرفيق عفيف يعلم أن المنطقة على موعد مع حرب جديدة، جاءت الحرب الأخيرة التي لم تنته بعد، وقضت على كل شيء كان يحلم به، عاد الاحتلال وهتكت الأرض وقُطعت الشجيرات. لعنة الحرب و”العود الأبدي”.

عفيف دياب في روايته “بيجو 504” ينقل صورة “الأمس اليوم”، سيرة يمكن أن تكون نموذجاً لكل عائلة جنوبية، حياتها مهددة بشكل يومي بسبب القصف الإسرائيلي. ربما طغى اليسار والعروبة وستالين وعبد الناصر و”البعث”، على أبطال الرواية وسرديتهم ونقاشاتهم، لكنهم في الواقع لا يختلفون كثيراً عن واقع الأيديولوجيات التي حلت محلهم، وإن اختلفت ألوانهم. هي لغة الحرب والسلاح والصراع والأحزان والتهجير والموت. 

لعل بعض أقوال “عبدو” في الرواية تختصر المشهد بقوة، فهو يقول تحت القصف الإسرائيلي: “هذه البلاد لم ترتح يوماً منذ العصر الجاهلي، لم نرث من أجدادنا سوى النكبات”، لكن “عبدو” يؤمن بأن “استمرار المواجهة المسلحة مع العدو يحمي القضية ويبقيها حية في الوجدان…”. وتحمل رواية عفيف رسائل في أكثر من اتجاه، نحو اليسار والمجتمع والدول والحياة، ولا أحد ينسى أن سيارة البيجو ترمز إلى زمن الوصاية السوري، في زمن همجية الاحتلال الاسرائيلي وقصفه اليومي، في بلد حيث “لم تعد الدار داراً ولم تعد للبيوت أرواح”، كما تقول “سعدى”.

(*) يوقع الزميل عفيف دياب روايته في 16 تشرين الأول، من 7 الى 9 مساء، في جناح دار الفارابي، معرض الكتاب العربي الدولي، الواجهة البحرية.

ــــــــــــــ

ـ** محمد الحجيري – رئيس القسم الثقافي في جريدة المدن الالكترونية