كتب جميل عز الدين* ||

كانت مفاصلنا ترتعد، وأنفاسنا تضيق، ما إن نعلم أنا وإخوتي أنّ «نبع الحنان» قد ملأت ذلك القِدر العظيم بالماء وأشعلت تحته النار، فقد حلّ يوم الاستحمام (في عطلة نهاية الأسبوع)، ولا مفرّ من الالتحاق بالجبهة، مع الالتزام الصارم بالتراتبية: من الأصغر إلى الأكبر!

ولمن يستخفّ بحجم الكارثة وهول الحدث، فليعلم بأنّ أدوات النظافة في سالف العصر والأوان كانت عبارة عن كيس بصل «جنفيص» (الليفة)، وحجر أسود اللون، خشن الملمس للمناطق المستعصية (كوع، ركبة، كاحل) ــ هيدا إذا بقيت لنا مفاصل بعد المعركة ــ بحيث كان الاستحمام أقرب إلى عملية برش آدمي، أما المياه، فكانت تتسرّب عليك بدرجة غليان تُعيد تعريف مفهوم النظافة لبدنك وتجوهره، فيما رذاذ صابون الـ«ص.ع» يتكفّل برشّ العيون حتى تحمرّ للمعركة القادمة، ثم يأتي الختام الاحتفالي: ختمٌ بخمس أصابع الوالدة على الجسد (درءًا للعين)، لتخرج من الحمّام بلون فروج البروستد، تضحك أمام الجماهير… كأنك عائد لتوّك من منتجعٍ صحيّ، لا من ساحة معركة!

استحمام.. تابع

بعد معركة الاستحمام، وما كنا نتكبّده فيها من خسائر بشرية ومادية (احمرار في الجسد، وفقدان ملحوظ في الوزن نتيجة إزالة طبقات من الترسبات التاريخية، إلى تعطّل بعض المفاصل عن العمل جزئيًا بسبب الالتحامات العنيفة مع الليفة والحجر آنفي الذكر)، كنّا ندخل المرحلة الثانية والأخطر من العملية، وهي مرحلة التأنّق.

وكالعادة، كان المعلّم واحدًا لا شريك له: «نبع الحنان»… أمي، أطال الله في عمرها، التي كانت تتعامل بعد الحمّام وكأنها تملك ورشة صيانة متنقّلة أو صاحبة مشروع إعادة التأهيل الجسدي. تبدأ المعاناة والأزمات بالكنزة التي يبلغ قطر قُبّتها خمسة سنتيمترات، ورأسي يومها بقطر خمسة عشر! ــ وهنا ما زلت، إلى يومنا هذا، أبحث عن الذنب الذي اقترفته أذناي حتى تدخلا في هذه المحنة وتعاقبا بهذا الشكل ــ كانت عملية ارتداء الكنزة وحدها كفيلة بأن تجعلني مكتوفًا لمدة يوم كامل، إلى أن يأخذ جسدي حجمه الطبيعي داخلها أو تأخذ هي حجم جسدي، لا فرق، وريثما تستوعب أعضائي الصدمة، فتدخل الرأس بصعوبة، وتخرج الأذنان من المعركة بلا ضمانات، ثم تبدأ أمي بسحب الكنزة من الأعلى إلى الأسفل حتى يستقرّ المواطن الصغير داخل حدودها الدستورية.

وبما أنني كنت الأصغر، فقد كان من واجبي الوطني وحقي الطبيعي ارتداء البيجاما الزرقاء التي مرّت على إخوتي واحدًا تلو الآخر بالتسلسل، وكان واضحًا أنها خدمت في السلك العائلي أكثر مما خدم بعض الموظفين في الدولة، وخاضت ثلاث حروب أهلية وحربًا عالمية. كانت تحمل في الأصل رسمًا لدبّ لطيف… إلا أن الدب، من كثرة الغسيل والاستعمال، خسر لونه وهيبته وكامل هويته البصرية، فتحوّل عند وصوله إليّ إلى كلب جعاري أبيض ــ وهذا ليس توصيفًا فنيًا، بل تقرير مخبري ــ ومعه مجموعة ثقوب موزّعة بعناية، وكأنها تصميم هندسي مستوحى من خريطة النجوم. أما التسريحة، فكانت لها قصة أخرى، وعندها كانت الكارثة مكتملة الأركان.

كان مشطنا هرمًا، وأسنانه دخلت مرحلة التقاعد المبكر، فلم يبقَ منه إلا النيرة كآخر موظفة صامدة في المؤسسة، ومع ذلك كانت أمي ترفض الاعتراف بانتهاء صلاحيته، فتستدعي «الكوافيرة» الكامنة في داخلها، وتجلسني أمامها، ثم تبدأ بتسريح الغرّة وتجليسها بمقصّ الخياطة. وبعد دقائق من القصّ والتعديل والترميم، كانت تنظر إلى ما صنعت بعين الفنان الذي أنجز تحفته، وتختم مراسم إعادة تأهيلي الجمالي بكل ثقة بعبارتها الخالدة: «نعيماً يا أمير!» فأقف أمام المرآة… لا أدري هل أنا أمير، أم ناجٍ من كارثة طبيعية، أم طفلٌ أُعيد تأهيله على عجل قبل تسليمه إلى أهله.

وهكذا، بعد الحمّام والتأنّق والتسريح، كنا نخرج إلى العالم نظيفين، معطّرين، مكتوفي الأيدي، فاقدي الوزن، ومجهولي الهوية تقريبًا… لكنّ المهم أن أمي كانت مقتنعة تمامًا بأننا أصبحنا «مثل القمر».

والحق يقال: لم تكن المشكلة في الفقر… المشكلة أننا كنا نعيش الرفاهية، لكن بنظام التقسيط العائلي.

أناقة “الترويقة”

بعد انتهاء مراسم الاستحمام والتأنّق، نصل إلى المحطة الأهم في ذلك اليوم، ألا وهي الترويقة!

ففي تلك الأيام، لم تكن الترويقة وجبةً عابرة، بل كانت مشروعًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل، وحدثًا عائليًا له بروتوكولاته ومناوشاته وقراراته المصيرية، وكلٌّ منّا يراقب الآخر ليتأكد أن حصته من الخبز لم تتعرّض لعملية اختلاس مبكرة ــ وقد تصل الأمور أحيانًا إلى قطيعةٍ مؤقتة بين الإخوة لا تتجاوز مدة الشاي.

كانت أمي، أطال الله بعمرها، صاحبة القرار السيادي وحق النقض في المطبخ، تضع أمامنا ما تيسّر من زيت وزيتون ولبنة أو جبنة، أما الشاي فكان حاضرًا بقوة، وكنا نحتسيه وكأننا في فندق خمس نجوم ــ مع فارق بسيط جدًا، أنه بالفندق إذا كبيت شاي ما بتاكل قتلة.

وإذا كانت الظروف الاقتصادية قد قررت أن تكون كريمة معنا في ذلك اليوم وتخلّلت الترويقةَ بيضًا مقليًا، تبدأ المنافسة فورًا. فما إن تفرغ أمي المقلاة حتى تتحوّل إلى ساحة سباق، وكل واحد منا يمدّ يده بالخبز محاولًا أن يمسح أكبر قدر ممكن من بقايا البيض والزيت، وكان الهدف واضحًا: أن نعيد المقلاة إلى أمي وكأنها خرجت للتو من المصنع، دون أن نترك لها شيئًا يستحق الجلي!

وهنا تبدأ المناوشات؛ هذا يدفع ذاك، وذاك يحتجّ، والأصغر يطالب بالعدل، بينما الأكبر سنًا ــ بحكم الدستور العائلي غير المكتوب ــ يستولي على آخر «مسحة» ويعلن انتصاره وسط اعتراضات لا قيمة لها أمام قانون «أنا أكبر منك».

وأحيانًا، لم تكن الترويقة تحتاج إلى خيارات، فما تبقّى من المجدّرة في اليوم السابق كان يُستدعى إلى الخدمة صباحًا، وتُضاف إليه ملعقة من الكشك ــ وهنا تبدأ مرحلة لا يفهمها إلا أبناء تلك الأيام ــ فنأكلها وكأننا أمام اختراعٍ غذائي سيغيّر مستقبل البشرية. أما إذا ظهر على المائدة الفول المدمّس… فهنا، يا سادة، لا تعود ترويقة، بل يصبح البيت في حالة عرس رسمي، فالفول كان مناسبة تستحق الاحتفال، والخبز يصبح في أعلى درجات الجاهزية، والزيت والزيتون والبصل يدخلون على الخط، وكل واحد منا يتصرّف وكأن دعوةً إلى وليمة فاخرة قد وصلته شخصيًا.

كانت تلك الترويقة بسيطة إلى حدّ لا يحتاج معه المرء إلى قائمة طعام، ولا إلى تطبيق لحساب السعرات، ولا إلى اختصاصي تغذية. كان يكفينا أن نشبع، ثم نسمع العبارة الذهبية: «يلا… قوموا عن السفرة وقولوا الحمد لله»، فنقوم… بعد مفاوضاتٍ طويلة طبعًا.

وهكذا كانت ترويقتنا… بسيطة، متواضعة، لكنها تحمل من البركة والفرح ما لا تستطيع مائدة فاخرة أن تشتريه، وكانت أجمل أيامنا لأن النعمة يومها لم تكن بكثرة ما على المائدة، بل بوجود من يجلس حولها… حتى وإن انتهت كل ترويقة بمعركة على آخر لقمة!

شحاطة أمي… بالستي رادع

… لم يكن الانتقال من عالم الأحلام إلى عالم المدرسة أمرًا يتمّ بضغطة زر، بل كانت البداية دائمًا من «نبع الحنان»، أمّنا، أطال الله عمر من بقي منها ورحم من رحل، وهي تتولى بنفسها مهمة إيقاظ هذا القطيع المدرسي واحدًا تلو الآخر.

تبدأ العملية بنبرة دبلوماسية هادئة: «يلا يا ولاد… قوموا عالمدرسة». فنحن، ومن باب احترام الأم وحرصًا على مستقبلنا العلمي، نفتح عينًا واحدة فقط، ثم نغلقها بسرعة قبل أن تكتشف أننا استيقظنا، ثم تبدأ المفاوضات: «طيب فيقي لفلان قبلي… أنا دغري بلبس»، والآخر من تحت اللحاف: «خلّيه يقوم قبلي… أنا بس بدي دقيقة». وهذه الدقيقة الواحدة كانت في الحقيقة مشروع نوم جديد، وقد تتحوّل بقدرة قادر إلى ربع ساعة، فالطفل آنذاك كان يملك موهبة عجيبة في تمديد الزمن دون الحاجة إلى ساعة.

وهكذا يبدأ كل واحد منا باستغلال آخر ثانية من عمر النوم، إلى أن يتغيّر صوت «نبع الحنان» تدريجيًا من تنبيه… إلى بربرة… إلى زمجرة… إلى إنذار أخير… ثم إلى العبارة التي كانت كفيلة بإعادة الروح إلى أجسادنا: «قوموا قبل ما استعمل الشحاطة». وهنا، يا سادة، لا يعود هناك مجال للنقاش أو الاستئناف أو طلب مهلة إضافية، فـ«الشحاطة» لم تكن مجرد حذاء منزلي، بل كانت قوة ردع استراتيجية، وكان يكفي ذكر اسمها حتى تنهض الأسرة بأكملها وكأن زلزالًا ضرب الغرفة.

بعد غسل اليدين والوجه، وإن شكليًا، تبدأ مرحلة ارتداء المراييل، وهنا تكتشف أن المريول الذي كان معلّقًا في مكانه بالأمس قد اختفى بطريقة غامضة، وأن القميص موجود، لكن فردة الكم لا يُعرف لمن، وأن أحدهم ارتدى مريول أخيه بالخطأ، فيبدأ التحقيق الجنائي قبل شروق الشمس.

لتأتي الكارثة الأعظم: أين الدفتر؟ والجواب: «كان هون»، «أنا ما أخدته»، «فتّش بالشنطة»، «منو بشنتي». ثم تبدأ عملية تفتيش الحقائب، فنجد ثلاثة دفاتر لا علاقة لها بمواد اليوم، ومسطرة مكسورة، وورقة من العام الماضي، ونصف قلم رصاص لا يصلح إلا لتوقيع اتفاقية دولية… أما الدفتر المطلوب تحديدًا، فقد اختار في تلك اللحظة أن يختفي.

ولا تكتمل الرحلة من دون طوشة الأحذية، لأن كل واحد يريد الحذاء الأفضل، أو الأنظف، أو الذي لم يأكل صاحبه كعبه بعد. وبعد معركة قصيرة ولكن حاسمة، نخرج أخيرًا من البيت… لا بكامل قوانا العقلية، بل بأجساد تسير وفق نظام القيادة الذاتية.

نصل إلى المدرسة بعيون ذابلة، وشعور بأننا قطعنا رحلة شاقة عبر القارات، ثم نجلس في الصف ونحاول إقناع الأستاذ بأننا مستيقظون تمامًا. وهنا تبدأ مهمة جديدة: إياك أن يكتب الأستاذ اسمك على الاستمارة، لأن الاسم إذا دخل الاستمارة، فقد انتهت الحياة الاجتماعية لذلك اليوم، وبات عليك انتظار نهاية الدوام وكأنك محكوم بالأشغال الشاقة.

أما فرصة نصف النهار… فكانت لها نكهة أخرى تمامًا. نفتح أكياسنا فنخرج سندويشة اللبنة التي أرسلتها لنا أمنا صباحًا بكل حب وحنان… لكنها، بعد ساعات من التجوال داخل الحقيبة بين الكتب والدفاتر والأقلام، تكون قد انتقلت من مرحلة «السندويشة» إلى وثيقة تاريخية قابلة للترميم. ننظر إليها قليلًا، ثم ننظر إلى بعضنا…

ومن كان محظوظًا في ذلك اليوم، أخرج من حقيبته تفاحة، وهنا كان صاحب التفاحة ملك الفرصة بلا منازع، فالكل ينظر إليه نظرة تجمع بين الإعجاب والحسد والاحترام، وكأن التفاحة ليست فاكهة، بل جائزة كبرى في مسابقة الحظ المدرسية.

قيد الانتظار؟

دخلتُ على رجلين عزيزين، يناهزان الخامسة والخمسين، ويتّجهان بخطى واثقة نحو الستين (مع أنّ ملامح الحياة عليهما قدّمت طلبًا مبكرًا للإحالة إلى السبعين!). جلسا يستعيدان أيام المدرسة والمراهقة، ويتبادلان أسماء الصديقات القديمات (من كانت فاتنة، ومن كانت لافتة، ومن كانت أكثر جاذبية، وكيف أصبحت اليوم)، ثم، وبكل ثقة وأريحية ودون أدنى حرج من وجودي، انتقلا للحديث عن الحياة الزوجية في المنزل، وكأنني موظفٌ أصيل في وزارة الشؤون الزوجية! أو أن وجودي في المكان لا يختلف عن أي علبة سجائر في المحل.

ثم تماديا في الحديث إلى أن وصلا إلى تجربة الزواج الثاني، وبدأ كلٌّ منهما يقدّم خبرته (والخبرة هنا طويلة… أمّا الإنجاز فموضوعٌ آخر!).

وبعد أن دار الحديث دورةً كاملة حول الماضي والحاضر والمستقبل، توصّلا إلى خلاصة تكاد تصلح قرارًا جمهوريًا:

لقد عبر الزمن يا صاحبي… ولم يعد في اليد إلا الذكريات؛ أمّا بعض المشاريع، فقد أصبحت تحتاج إلى دراسة جدوى، وتمويل، وموافقة مسبقة… ومع ذلك تبقى قيد الانتظار!

وهنا أدركتُ أن الرجل لا يشيخ حين تظهر التجاعيد في وجهه، بل حين يصبح الماضي أرشيفًا نشطًا، والحاضر جلسةَ نقاش، والمستقبل… خارج نطاق التغطية.

عقوبة الكرز

كنا مع بداية موسم الكرز، يعلن المجلس العسكري الأعلى بقيادة أبي حالة الطوارئ العامة في البيت، ويستدعي قوات الاحتياط، ويلغي الإجازات، ثم يبدأ بتوزيع المهام وكأننا مقبلون على معركة تحرير لا على قطاف كرز. أمي للطبخ والزوّادة والدعم اللوجستي، وأخواتي البنات قسم برًّا على الأرض، وقسم جوًّا (على طريقة العندليب الأسمر في «أبي فوق الشجرة»).

وأنا، ولأنني صاحب اختصاص نادر في الأغصان العالية ــ تلك التي لم يتكرّم أبي على قصّها في الموسم المنصرم ــ أُرسل إلى الجبهات العليا، فيما المنشار بحوزة القائد العام لقصّ ما ملكت يمينه من أغصان «ما إلها عازة». أما أخي الحج، فمهمته توضيب الغنائم.

وكان يُسمح للعناصر بخمس استراحات: الأولى للترويقة، يحدّد موعدها القائد العام شخصيًا، والأربع الباقيات للتدخين… علمًا أنّه لم يكن أحدٌ غيره يدخّن!

أما «أطيب ترويقة بالعالم هي الترويقة بالجرد، وأطيب كاسة شاي كمان»… فهذه كذبة موسمية كنا نردّدها لمواساة بعضنا بعضًا أمام أبي، تحاشيًا لتهمة التذمّر.

ورغم كرهي الشديد للكرز وقطافه، كانت فرحتنا بفرحة أبي أكبر؛ فبعض الأعمال لا نحبّها، لكننا نحبّ أصحابها أكثر.

ـــــــــــــــــ

*كاتب من لبنان