عينك تشوف مللّا تشييع صرْلَك يا رفيق زياد. شو بدّك بالحكي. الحكي مش متل الشوفة. ناس من هَبّ ودَبّ إجوا. من بلاد عكّار والشمال… من كلّ بلاد وضِيَع الجنوب المهجَّرة والمدمَّرة… وأحسن شي من اللّي شاركوا بالتشييع هالكمّ فلّاح اللّي بعدن صامدين بالبقاع وعكّار والجنوب وسهل الدامور.
شو بدّي خبّرك يا رفيق… كبار وصغار وولاد وصبايا وعشّاق وختياريّي مع مراهقات… كلّن نزلوا وراك عالحمرا ببيروت، وكان في بس تلات أعلام… علم لبنان، وعلم فلسطين، وعلم الحزب الشيوعي اللبناني.
نطروك كتير تحت الشمس قدّام بوّاب المستشفى حتّى تطلع وتطلّ علينا. وكان كلّ ما اتأخّرت طلعتك، يحسّوا إنّو في شي بيشبه المؤامرة، وبدو حدا يخطفك منّن… وكان رفيقك أحمد مدلج يطمّنن.
بشوارع الحمرا مشينا وراك… صبايا حاملة ورود ودموع، وشباب متحمّس بس ضايع عم يغنّي: «جايي مع الشعب المسكين». أمين عام حزبك الشيوعي كان بين هالخلقيّة اللّي وراك. في كتير ناس عرفوه لحنًا غريب… وناس ما انتبهولو… وناس ما عرفوه بنوب. كان في كتير رفاق من فلسطين وسوريا. وكان كمان، حسب ما بتتذكّر، هودي جماعة الإسلام السياسي. لمحت كم واحد منّن من بعيد. كانوا عم يدلوا بتصاريح عالطالع والنازل لتحت سابع أرض. هودي يا رفيق كانوا كتير مهضومين، وشي غريب عجيب كلامن. إنت بتعرفن منيح، وبتعرف كيف بيفكّروا وبيزتّوا كلامن العشوائي.
اللّي مشيوا بجنازتك بالحمرا يا رفيق هِنّي ناس كتير نضاف وصادقين… على فكرة، نسيت خبّرك إنّو شِفت كم رفيق من اليونان وفرنسا… حتّى شِفت رفيق سوفياتي قلّي: سلِّم عليك. وشِفت رفيق أثيوبي ورفيق من سريلانكا. بتتذكّر الدفتر الصغير اللّي عليه صورة لينين، عطاك يّاه رفيق سريلانكي، وإنت عطيتو لربيع الزهر اللّي قلّي: «ضبّو بالأرشيف؟».
المهم، بالحمرا كانوا رفاقك اللّي هِنّي كتير نضاف… صح كان في بيناتنا كم واحد عيب نحكي عليهن كلام جارح، بس الشباب ما نِسيوا زمن هودي، وكيف كانوا يطاردوك من زاروب لزاروب بزمن الحرب الوسخة… والشباب ما نِسيوا كيف كانوا يتمسخروا على أغانيك وكلامك السياسي، أو هجمتن على المثقّفين والشعرا والفنّانين من جماعتك ببيروت الغربية. وهودي يا رفيق، بتحسّ وقت التشييع إنّن انزعجوا، وصارت وجوهن صفرا، وإنّو: شو يابا، من وين إجت سهى بشارة مثلًا حتّى تمشي وراك؟ غريب أمرن هودي، ما هيك…
وأحسن شي بالتشييع بالحمرا كانوا هودي جماعة السرفيسات. أوّل مرّة بشوفن مش مزعوجين من العجقة اللّي صارت وتسكير الطرقات. ما عملوا فوضى بالزمامير… صفّوا سيّاراتن، ونزلوا مشيوا وراك، وهِنّي عم يغنّوا معك ومع سامي حوّاط: «أنا مش كافر». وعينك تشوف شغّيلة المطاعم وهِنّي عم يوزّعوا مي عالصبايا… والبلاكين كانت مليانة صبايا وعجزة عم يلوّحولك ويبكوا. شي كتير حلو اللّي صار بالحمرا.
آخ لو كنت معنا وشِفت رفاق صبحي الجيز وهِنّي واقفين عالأرصفة… هيك واقفين بلا حكي، بس عم يتفرّجوا بحزن على موكبك الكبير.
شو بدّي خبّرك بعد… إيه، في جماعة الدرك كمان بتحسّ إجوا لوحدن، بلا أوامر رسمية. اشتغلوا شغلن بلا نرفزة وتعصيب. سمعت دركي عم يغنّي قدّام باب المستشفى: «قوم فوت نام». كان غرقان بعرق جسمو من الشوب، بس ما كان متجهِّم.
بنصّ دِن ساحة بكفيا رفعوا الشباب يافطة مكتوب عليها: «رحل الرفيق زياد… وداعًا»، وعليها صورتك بالأبيض والأسود، وإنت عم تدخّن سيكارة وصافن بشي. في كتير شباب ورفاق، لأوّل مرّة بحياتن، بيوصلوا على بكفيا. عجبتن كتير هالضيعة، بس بتحسّ بعدن ناقزين من شي… أو يمكن خايفين عليك فوق. ما هِنّي يا زياد ما بيعرفوا إنّك، متل ما قال مرّة الرفيق رضوان حمزة، إنّو جدّي لوّن شبابيك بيتو ببكفيا بالأحمر.
كانوا كتار شباب المتن اللّي ناطرينك فوق. ناطرينك تقول شي… آيتوا شي. تقوم مثلًا من التابوت اللّي حابسينك فيه وتحكي شي كلمة، وتخبّرن إنّو من هون، من المتن، بلّشت الحكاية الحمرا. وإنّو هالكمّ فلّاح اللّي بعدن لازم نساعدن بالزرع من جديد. زرع طبيعي، مش مهجَّن.
بساحة الكنيسة، عينك تشوف يا رفيق. ناس فوق بعضها. بتشعر إنّن عاملين جمعيّة زراعيّة ونازلين يقطفوا زيتون، أو عم يجهّزوا حالن لينزلوا على فوّار أنطلياس ليحتفلوا بعيد العمّال. كلّن كان بدن يشوفوا فيروز ليصدّقوا إنّك بعدك هون، وإنّك ما فلّيت. بتحسّ، بس شافوا فيروز هيك متل حجر الصوّان، أو أعالي جبل الشيخ، ارتاحوا واطمّنوا.
بس اللّي زعج هالخليقة بالمحيدثة – بكفيا، هوي اللّي أكيد كمان بخليك تعصّب عليهن يا رفيق، وتقوم من نومك بالكنيسة وتعيّط عليهن، على طريقتك اللاذعة والساخرة. بتحسّ، وإنت عم تراقب المشهد، إنّو إلياس بو صعب بدّو يبعص بيت المرّ والجميل هيك بلا سبب، مع إنّن أصحاب كتير وبيلفّوا ع بعض، والزلمي ما قصّر بواجبو الاجتماعي… هيك منقول عادة بالضيع. كان إلياس ومرتو جوليا… جوليا كانت مقهورة كتير. ملامحها بتقول هالشي… يمكن مقهورة من إلياس، أو من وين الملايين اللّي نسيت غزّة وفلسطين وظلم الديكتاتوريات العربية.
بس الأهضم يا رفيق كان لمّا فيروز سألت عن هيدي صاحبتك (بغمزة رفيق) ماجدة، اللّي ركعت قدّامها: «مين هالمَرَا اللّي ركعت؟». في كتار ركعوا قدّام فيروز. وما تخاف يا رفيق، في كتار راح يركعوا قدّام فيروز. فيروز يا رفيق اللّي خلّت الكوكب يركع قدّامها. إنت بتعرف كتير منيح هالشي، وما بدّو حدا يخبّرك. بس الأجمل، لمّا قدرت بلّغها لفيروز رسالة: تحيّة شباب وصبايا القدس العتيقة. وصلت الرسالة، واطمّنّيت إنّو القدس بعدها إلنا، متل غزّة والضفّة والجليل.
أهضم شي يا رفيق هودي جماعة المغنّى اللّي بيشتغلوا على كهربا البطارية اللّي عم تخلّص طاقتها… عينك تشوف كيف كانوا عم يدلوا بتصاريح عنك وعن فنّك… آخ لو بيعرفوا شو رأيك فين، وكيف دمّروا الذوق العام… وإنّو كيف بتكون الـ«طز» طالعة هيك لوحدها… «فجأة واقعية».
بساحة الكنيسة وبصالونها كانوا كتار المحبّين والصادقين من اليسار واليمين، بس هودي جماعة الإسلام السياسي مش مهضومين. بتحسّن قاعدين على راس معدتك، بس تسمعن عم يحكوا… سبحان الخالق كيف اتّفقوا بسرعة مع كم خوري كانوا فوق.
شو بدّك بعد يا رفيق… إيه، كمان في بيانات الرؤساء التلاتة. إنشا عربي بلا معنى وطعمة، وهون جايي على قياس ٥١ بالمية… أو مية بالمية… قدّيه؟ وبيانات الأحزاب والتيّارات والروابط واللجان الشعبيّة ولجان الأحياء والأموات هيّي نفسها من خمسين سنة، ما فيها شي جديد… وأحسن شي إنّو ما فيها شي جديد، وأساسًا ما بتعنيلك شي.
وأحسن شي كمان يا رفيق، اللّي عملتو الدولة إنّو ما أعلنت الحداد الرسمي… هيك بتكون مرتاح ومطمن أكتر، وضميرك مرتاح. في كم طرطور بالبلد صرعوا ربّنا، بدن حِداد رسمي. فعليًّا بدن مطرقة حدّاد من بلاد المتن تخبطن على راسن خبطة تخلّيهن يدوخوا ويسكتوا… هودي لازم يسمعوا منيح حلقة «الزعيم في لبنان» من برنامج «بعدنا طيّبين»… بلكي بيصيروا يفهموا شوي… أو بلاها، خلّيهن هيك بلا فهم.
المهم، بالمحيدثة – بكفيا كان تشييعك هيك… جايي شعبي عالرسمي. طبخة مخلوطة، مش معروفة مقاديرها، بس كانت غلبة المقادير فيها للّي بيحبّوك بصدق. طلعوا معك بلا جميلة حدا… سكّروا بيوتن بالمتن وبقيّة البلاد، ومشيوا وراك. والبنت اللّي تركتها عم تعزف بيانو بالحمرا راح تضلّ عم تعزف… ما راح يتعبوا أصابيعه
ـــــــــــــــــــــــــ
توفي الرفيق زياد يوم السبت 26 تموز 2025 عن عمر ناهز 69 عاماً
اقيمت مراسم جنازة زياد يوم الاثنين 28 تموز 2025 في شوارع منطقة الحمرا بالعاصمة بيروت ودفن في بلدة المحيدثة – بكفيا في جبل لبنان