لينا الدسوقي* ||
ما لفتني في رواية بيجو 504 (صادرة عن دار الفارابي في بيروت) ليس موضوع الرواية وحده فقط. رغم ثقل المرحلة التي تحملها. ولا الأحداث التي تستعيد زمناً من الجنوب والحرب والاحتلال والمقاومة والتهجير. بل ذلك الكاتب الذي يدخل عالم الرواية للمرة الأولى وكأنه يعرفه منذ زمن.
عفيف دياب لا يستعرض أمامنا تقنيات روائية. ولا يحاول أن يثبت أنه يعرف كيف تُكتب الرواية. يترك الحكاية تقوده. ويترك الشخصيات تتنفس داخلها. فيأتي السرد تلقائياً. صافياً. وانسيابياً بصورة تفاجئك. ينتقل بين المحطات والسنوات والأحداث برشاقة. من دون أن تشعر بأنك أمام انتقالات مصطنعة أو بناء متكلّف. وهنا تكمن المفاجأة.
من الصفحة الأولى تشعر أن الكاتب لا يريد منك أن تقرأ روايته من الخارج. بل يريد أن يدخلك إليها. شيئاً فشيئاً تجد نفسك داخل البيت. بين الشخصيات. تسمع نقاشاتهم. تلمس خوفهم. وتعيش تعلقهم بالأرض، وتفهم خيباتهم وأسئلتهم. ومع كل محطة. تفتح الرواية باباً جديداً من دون أن تفقد خيطها الأساسي.
والأجمل أن عفيف لا يثقل الحكاية بما يعرفه عن تلك المرحلة. رغم أنه يحمل في ذاكرته الكثير منها. لا يحوّل الرواية إلى درس في التاريخ. ولا يجعل السياسة تبتلع الإنسان. يضع التاريخ في الخلفية. ثم يترك الإنسان يتقدم إلى الواجهة. بخوفه. وحبه. وعناده. وإيمانه. وخيبته. وتعلقه ببيت قد ينهدم وبأرض لا يستطيع أن يتخلى عنها.
قد تكون “بيجو 504” رواية عن زمن مضى. لكنها في قراءتي رواية عن الإنسان حين يجد نفسه محاصراً بين ما يؤمن به وما تفعله الحياة به. وهذا ما جعل تجربتي معها مختلفة.
بدأت القراءة وأنا أريد أن أعرف ماذا سيحدث. ثم وجدت نفسي أقرأ لأعرف ماذا سيحدث لهؤلاء الناس. وهذه مسافة مهمة بين رواية تُروى ورواية تُعاش. عفيف دياب في تجربته الروائية الأولى فاجأني بامتلاكه هذه القدرة على الإمساك بالخيط، وعلى إبقاء القارئ في حالة ترقّب من دون افتعال. وعلى التنقل بين المحطات بخفة لا تتناسب مع ثقل الأحداث التي يحملها.
تبدأ الصفحة الأولى. ثم تقول لنفسك. سأقرأ قليلاً. وفجأة تجد نفسك في الصفحة الأخيرة.وهذه. في رأيي. ليست مسألة تقنية.هذه موهبة.
أن تكتب روايتك الأولى بهذه العفوية. وأن تجعل اللغة خادمة للحكاية لا متقدمة عليها. وأن تعرف متى تتوقف عن الشرح لتترك المشهد يتكلم. وأن تحمل كل هذا التاريخ والوجع من دون أن تفقد الرواية نبضها الإنساني. فهذا يجعل “بيجو 504” أكثر من تجربة أولى ناجحة. يجعلها إعلاناً عن روائي كان ينتظر أن يكتب.
وفي رأيي، ما كشفته هذه الرواية هو أن عفيف دياب ليس مجرد صحافي دخل عالم الرواية ليجرب حظه فيه. بل كاتب يمتلك أدواته الخاصة. حتى لو لم يستعرضها. وربما أجمل ما في التجربة كلها أنني أغلقت الكتاب وأنا أشعر أنني لم أقرأ رواية أولى لكاتب جديد بل اكتشفت كاتباً من العيار الثقيل. وصل إلى الرواية من باب الحكاية. فدخلها ببساطة. وترك وراءه أثراً لا يشبه البدايات.
أرى أن أقوى نقطة في قراءتك هي فكرة. “هذه ليست مسألة تقنية. هذه موهبة”. لأنها تضع يدك على الفارق بين كاتب يعرف قواعد الرواية وكاتب يمتلك حسّ الرواية بالفطرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*شاعرة وناقدة لبنانية
