كتبت جميلة حسين * |

في رواية «بيجو 504»، الصادرة عن دار الفارابي عام 2026، يتقدّم التجذّر في الأرض وحبّها بوصفهما خيطًا ناظمًا للأحداث، وذاكرةً تتشابك فيها الحكايات الشخصية مع التحوّلات السياسية التي عصفت بالجنوب اللبناني ولبنان.

يكتب عفيف دياب عن مرحلة حامية من تاريخ المنطقة، كاشفًا التناقض بين شعارات التحرير المتناقضة مع ممارسة القيادة العُليا على الأرض من قمع وقتل واعتقال طالت المعارضين لها والمعترضين عليها، حتى أولئك المناضلين الذين حملوا يومها راية المقاومة.

لا يتعامل دياب مع السياسة بوصفها خلفيةً للأحداث فحسب، بل يجعلها قوةً تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتختبر العلاقات الإنسانية، وتضع الحب والصداقة في مواجهة الانتماءات الحزبية، من خلال سرد سلس وممتع، يترك للشخصيات أن تكشف تناقضات زمنها، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، فتغدو الرواية مساحةً لقراءة ما حدث من داخل البيوت والعلاقات والخيبات الشخصية.

تتجلّى إحدى أبرز دلالات الرواية في علاقة عبدو البعثي بمريم الشيوعية. اختلافهما السياسي لا يحول دون الحب، ولا يمنع علاقتهما من أن تبلغ الزواج وإنجاب طفل أسمياه مكسيم. هنا، لا ينتصر الحب على الاختلاف بإلغائه، بل بقدرة الطرفين على العيش معه، من دون أن يتحوّل إلى جدار يفصل بينهما. فمريم تنتقد حزب زوجها البعثيّ، ولا تتردّد في شتم قيادته، لكنها تخاف على عبدو وتحميه. وفي هذا التناقض الظاهري تكمن إنسانية العلاقة، حيث يمكن للمرء أن يرفض أفكار من يحب، من دون أن يتخلّى عنه.

لكن السياسة لا تبقى نقاشًا بين زوجين. مع توالي الأحداث واستدعاء عبدو للتحقيق أكثر من مرة، يبدأ الشكّ يتسرّب إلى علاقته بحزبه، حتى يكتشف زيف قيادته ويقرّر الاستقالة. بذلك، لا يعود الاختلاف السياسي مسألةً نظرية، بل يصبح امتحانًا للضمير، وتغدو الاستقالة موقفًا من سلطة تريد إخضاع أفرادها، لا الاكتفاء بكسب ولائهم.

في مقابل هذا المسار الإنساني، يبرز عنوان الرواية، «بيجو 504»، بوصفه علامةً على الخوف الذي زرعته مخابرات النظام السوري في نفوس الناس. فالسيارة التي ارتبطت بأجهزة المخابرات لم تعد مجرّد وسيلة نقل، بل صارت رمزًا للتهديد والاختفاء والموت. وكان امتلاك المدنيين سيارةً من هذا الطراز يعرّضهم، وفق ما تصوّره الرواية، لخطر سرقتها، أو الاعتداء على أصحابها، أو حتى قتلهم.

هكذا تتحوّل السيارة من تفصيل يومي مألوف إلى أداة لاستحضار زمنٍ كانت فيه السلطة قادرة على اقتحام حياة الناس وممتلكاتهم وأمانهم. ولعلّ قوة هذا الرمز تكمن في بساطته، شيء نراه في الشارع يمكن أن يحمل في ذاكرة جماعية مثقلة بالخوف، أكثر مما تحمله الخطب السياسية من تهديد.

غير أنّ الخسارة الأعمق في الرواية تتجاوز الخوف على الحياة إلى انتزاع الإنسان من أرضه. ينتهي المطاف ب”عبدو” مهجّرًا بعيدًا عن قريته التي أحبّها، فيما تعيش مريم حزنها على شقيقها رامز الذي استشهد إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وبين التهجير والفقد، تتكشّف المأساة في وجوهها المختلفة: رجل يُنتزع من المكان الذي ينتمي إليه، وامرأة تفقد أخاها، وأسرة تحاول أن تحفظ ما تبقّى لها من حياة وسط عنف وتهجير.

من هنا، لا يبدو التجذّر في الأرض مجرّد حنين إلى القرية، أو تعلّق بالمكان بوصفه مسقطًا للرأس إنه علاقة تتكوّن من الذاكرة والأهل والبيوت والتفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها. لذلك، فإن ابتعاد عبدو عن قريته ليس انتقالًا جغرافيًّا فحسب، بل اقتلاعه من عالم يعرفه ويشعر بأنه جزء منه.

وتكتسب هذه الرواية بُعدًا إضافيًّا حين نقرأها على ضوء حاضر لبنان والمنطقة. فالمشهد الذي تستعيده بما يحمله من اجتياحات وقصف وقتل واحتلال لا يبدو حبيس زمنه. فمنذ قيام دولة إسرائيل، تتوالى الحروب والاعتداءات، وتتكرّر مشاهد الدمار والتهجير، كأن التاريخ يعيد إنتاج مآسيه بأسماء وأمكنة جديدة، فيما يظلّ المدنيون يدفعون الثمن الأكبر.

بهذا المعنى، لا تكتفي «بيجو 504» بتأريخ مرحلة من تاريخ الجنوب ولبنان، بل تستعيدها لتضيء أسئلةً ما زالت مفتوحة.

ماذا يبقى من شعارات التحرير حين تتحوّل الأحزاب إلى أدوات للقمع؟ وكيف يستطيع الحب أن يصمد أمام انقسامات السياسة؟ وماذا يعني أن ينتمي الإنسان إلى أرض، فيما تتكاثر القوى التي تريد اقتلاعه منها؟

إنها رواية عن الأرض حين تصبح جزءًا من هوية الإنسان، وعن الحب حين يتجاوز الاختلاف، وعن السياسة حين تنكشف المسافة بين ما تعلنه وما تمارسه. والأهم أنها تذكّرنا بأن الصراع لا ينتهي بانتهاء الحروب، فبعض فصوله يبقى معلّقًا في ذاكرة النّاجين، وفي حزن الذين فقدوا أحباءهم، وفي قلوب أولئك الذين ما زالوا ينتظرون أن يعيشوا على أرضهم بسلام…

  • استاذة جامعية وشاعرة لبنانية|