
د. سعيد عيسى * ||
ليست السيارة في رواية “بيجو 504” لعفيف دياب مجرد وسيلة نقل أو تفصيل من تفاصيل الحياة اليومية في لبنان خلال سنوات الحرب، بل تتحول إلى علامة على سلطة تتجاوز حضورها المادي لتستقر في الذاكرة والخوف والسلوك. فالسيارة التي يعرف الناس ما تمثله قبل أن يعرفوا من بداخلها تختصر علاقة غير متكافئة بين المجتمع وأجهزة الوصاية الأمنية السورية، وتكشف كيف يمكن للهيمنة السياسية أن تتسلل إلى تفاصيل الحياة العادية، وأن تصبح جزءا من المعرفة التي يتداولها الناس عن المكان والأشخاص والاحتمالات التي تنتظرهم.من هنا، تبدو قراءة الرواية من منظور الأنثروبولوجيا الثقافية وسوسيولوجيا الرواية مدخلا إلى أسئلة تتجاوز وصف القمع الأمني أو استعادة مرحلة تاريخية من لبنان. إنها تتيح البحث في الكيفية التي تتشكل بها الهوية السياسية داخل الجماعة، وكيف تتحول المقاومة من قضية جامعة إلى موضوع تتنازع الجهات المختلفة حق تعريفه، وكيف يجد الفرد نفسه أمام تناقض بين ولائه لجماعته واستقلاله الأخلاقي.صدرت الرواية عن دار الفارابي في أيلول 2026، وتقع في 208 صفحات، وتتناول عالما روائيا تمتد أحداثه بين عامي 1967 و1982، في بيئة حدودية تتعرض للاعتداءات الإسرائيلية وتتداخل فيها تجربة المقاومة مع التحولات السياسية والأمنية التي شهدها لبنان.لا تقوم أهمية الرواية، في هذه القراءة، على اعتبارها وثيقة تاريخية مكتملة عن تلك المرحلة، بل على ما يتيحه بناؤها الأدبي من فهم للعلاقات الاجتماعية والرموز والممارسات التي تمنح السلطة معناها في الحياة اليومية. فالأدب لا يعكس المجتمع كما تعكس المرآة صورة جاهزة؛ إنه ينتقي عناصر من الواقع، ويعيد تركيبها في شخصيات وأحداث وأمكنة، ليكشف من خلال هذا التركيب تناقضات قد يصعب إدراكها في الخطاب السياسي المباشر.من التاريخ إلى البنية الاجتماعيةيتيح المنظور الذي طوره لوسيان غولدمان في سوسيولوجيا الرواية تجاوز الفصل التقليدي بين العمل الأدبي والواقع الاجتماعي. فالسؤال، في هذا المنظور، لا يقتصر على معرفة الظروف التاريخية التي أنتجت الرواية، بل يشمل البحث في العلاقات البنيوية التي تصل بين عالمها الروائي والعالم الاجتماعي الذي تنتمي إليه. وقد ارتبط مشروع غولدمان بفكرة وجود تماثلات بنيوية بين أشكال التعبير الأدبي وبعض البنى الاجتماعية والرؤى التي تتكون داخل الجماعات التاريخية.لا يعني ذلك أن شخصيات “بيجو 504” تمثل فئات اجتماعية بطريقة آلية، أو أن كل حدث فيها يمكن رده مباشرة إلى واقعة سياسية. المقصود أن ننظر إلى العلاقات بين الشخصيات، وإلى ما يجمعها وما يفرقها، باعتبارها جزءا من بناء اجتماعي تتنازع داخله قوى مختلفة حق تحديد السلوك المشروع والولاء المقبول والعدو الذي ينبغي مواجهته.تظهر هذه المسألة بوضوح في علاقة عبدو بحزبه وبالسلطة الأمنية. فعبدو ليس فردا يقف خارج القضية التي ينتمي إليها، ولا شخصا يكتشف السياسة للمرة الأولى عند تعرضه للمساءلة. إنه ينتمي إلى عالم تشكلت فيه هويته من خلال الالتزام السياسي والمقاومة والتجربة المشتركة. غير أن هذه الخبرة لا تحميه من أن يصبح موضع اشتباه عندما تتغير قواعد العلاقة بين التنظيم وأعضائه، أو عندما تتداخل حسابات التنظيم مع شروط الوصاية الأمنية.وهنا يظهر التناقض الاجتماعي الذي يمكن أن تنتظم حوله قراءة الرواية: الجماعة التي تمنح الفرد شعورا بالمعنى والقدرة على الفعل قد تصبح، في ظروف معينة، مصدرا للضبط والإقصاء. ليست المسألة إذن صراعا بين فرد مستقل وجماعة قمعية منذ البداية، بل تحولا في علاقة انتماء كان لها أساس سياسي وأخلاقي، ثم أخذت تكشف حدودها عندما اصطدمت بتوازنات السلطة.ومن هذه الزاوية، لا ينبغي اختزال الرواية في إدانة جهاز أمني أو حزب سياسي. فالأهم هو الكشف عن الشروط التي تجعل الجماعة قادرة على منح أعضائها الاعتراف، ثم تجعل هذا الاعتراف مشروطا بمدى توافقهم مع قراراتها. وتصبح أزمة عبدو عندئذ أزمة في العلاقة بين الفرد والبنية الاجتماعية التي أسهم في إنتاجها، وليست مجرد خلاف على موقف سياسي محدد.الوصاية بوصفها تجربة معيشةتقتضي الدقة التاريخية والسياسية التمييز بين الدولة اللبنانية وبين النفوذ والوصاية الأمنية السورية اللذين تشير إليهما الرواية صراحة ورمزيا. فالسيارة التي يمنحها عنوان الرواية موقعا مركزيا لا ينبغي أن تقود إلى قراءة تختزل حضور السلطة في مؤسسات الدولة اللبنانية. إن دلالتها، في هذا السياق، تتصل بأجهزة أمنية مرتبطة بالهيمنة السورية على المجال اللبناني، وبالطريقة التي يصبح بها نفوذها محسوسا في حياة الأفراد.تساعدنا الأنثروبولوجيا السياسية هنا على الانتقال من دراسة السلطة باعتبارها بنية رسمية إلى دراسة كيفية اختبارها اجتماعيا. فالسلطة لا تعمل فقط من خلال القرارات والأوامر والعقوبات، وإنما أيضا من خلال الإشارات التي يتعلم الناس قراءتها، والتوقعات التي تنشأ لديهم، والاحتياطات التي يفرضونها على أنفسهم قبل أن يطلب منهم أحد ذلك.تكتسب “بيجو 504” قوتها الرمزية من هذا المستوى تحديدا. فالسيارة تصبح علامة يمكن التعرف إليها داخل المجال الاجتماعي، وتستدعي سلسلة من المعاني التي لا تحتاج إلى شرح طويل: المراقبة، والاستدعاء، والتحقيق، واحتمال التعرض للإكراه. وبهذا المعنى، تتجاوز دلالتها حدود الشيء المادي، لتدخل في نظام من العلامات المتداولة داخل الجماعة.يمكن الاستفادة، في فهم هذه الآلية، من أعمال ميشيل فوكو حول علاقة السلطة بالمراقبة وتشكيل السلوك. لكن تطبيق هذا المنظور على الرواية لا يعني مساواة التجربة اللبنانية بنماذج أخرى درسها فوكو؛ إنما يتيح فحص كيفية تأثير توقع الرقابة في تصرفات الناس، وكيف يمكن للسلطة أن تفرض حضورها حتى عندما لا تكون في مواجهة مباشرة مع الأفراد.فالخوف لا يقتصر على اللحظة التي يقع فيها التحقيق. إنه يمتد إلى ما قبلها: إلى الترقب، والحذر في الكلام، وإعادة تقدير العلاقات، والتفكير في العواقب المحتملة. وعندما يصبح هذا التوقع جزءا من الحياة اليومية، لا تعود السلطة حدثا خارجيا يقتحم المجتمع من حين إلى آخر، بل تتحول إلى عنصر يؤثر في كيفية عيش الناس لمكانهم وعلاقاتهم.مع ذلك، ينبغي ألا تتحول السيارة إلى رمز مغلق يختزل كل أشكال الوصاية. فقيمتها التحليلية تأتي من ارتباطها بشبكة أوسع من الممارسات والعلاقات. إن “بيجو “504 علامة على سلطة أمنية، لكنها تستمد معناها من عالم اجتماعي يعرف هذه السلطة، ويتداول أخبارها، ويعيد تنظيم سلوكه في ضوء حضورها.بهذا المعنى، يصبح عنوان الرواية مدخلا إلى أنثروبولوجيا الخوف: ليس الخوف بوصفه شعورا نفسيا فرديا فحسب، بل باعتباره خبرة اجتماعية تتشكل من خلال المعرفة المشتركة بالسلطة، وتتفاوت آثارها بحسب موقع الفرد وعلاقاته وقدرته على المقاومة أو الانسحاب.القرية والحدود والذاكرة لا يمكن فصل هذه السلطة عن المكان الذي تتحرك فيه الشخصيات. فالقرية الحدودية ليست خلفية محايدة للأحداث، وإنما فضاء تتقاطع فيه الاعتداءات الإسرائيلية مع تجربة السكان اليومية، ومع علاقاتهم بالأرض والبيت والعمل والجماعة السياسية. وهذا ما يجعل المكان عنصرا فاعلا في إنتاج المعنى الروائي.يوفر مفهوم “الكرونوتوب” عند ميخائيل باختين، أي التداخل الفني بين الزمان والمكان، أداة مناسبة لقراءة هذه العلاقة. فالزمان الروائي لا يتقدم بمعزل عن المكان؛ إذ تكتسب الأحداث معناها من الفضاء الذي تقع فيه، كما تتغير دلالة المكان بفعل ما يمر به من أحداث تاريخية واجتماعية. وقد استُخدم هذا المفهوم على نطاق واسع لفهم كيفية تمثيل الرواية للتاريخ والهوية والعلاقات الاجتماعية من خلال تنظيم الزمان والمكان.في “بيجو “504 تحمل القرية الحدودية أكثر من معنى في الوقت نفسه. إنها مكان للسكن والعمل وتكوين العلاقات، ومجال للتهديد العسكري، وفضاء تتداخل فيه سلطة الوصاية مع تجربة المقاومة. وتتحول الأرض، من هذا المنطلق، من مورد للعيش إلى عنصر في تعريف الذات الجماعية؛ فالبستان والبيت والطرق والملجأ ليست مجرد مواقع تتحرك فيها الشخصيات، بل أجزاء من عالم يهدده العنف ويعيد السكان من خلاله تعريف معنى الاستقرار والأمان.تقدم البداية الروائية التي تعرضها دار النشر مشهدا دالا :مريم تستعد لخبز العجين بينما يتردد القصف المدفعي الإسرائيلي، وعبدو يتفقد بستان الزيتون ويلاحظ تحركات عسكرية تثير قلقه. كما يشير المقطع إلى الملجأ القريب الذي أعد للإقامة القسرية أياما عدة. تجمع هذه التفاصيل بين مستويين من الزمن. هناك الزمن الاعتيادي الذي يتكرر فيه إعداد الطعام والعمل المنزلي والعناية بالأرض، وهناك الزمن الاستثنائي الذي يفرضه القصف واحتمال النزوح. ولا يمحو الثاني الأول بصورة كاملة، بل يتداخل معه ويعيد تشكيله. تستمر الحياة في أداء طقوسها، لكن هذه الطقوس تصبح مشروطة بترقب الخطر.وهنا تظهر قيمة القراءة الأنثروبولوجية للحياة اليومية. فالاستعداد لخبز العجين ليس تفصيلا منزليا منفصلا عن التاريخ، كما أن تفقد بستان الزيتون ليس عملا زراعيا فقط. كلاهما يكشف كيف يحاول الناس الحفاظ على انتظام حياتهم في بيئة تهدد استمراريتها. يصبح العمل اليومي ممارسة لحماية الحياة، فيما يتحول الملجأ من مكان استثنائي إلى احتمال دائم داخل المخيلة.ولا ينبغي، مع ذلك، تحميل كل تفصيل منزلي معنى رمزيا مستقلا. فالقراءة الأنثروبولوجية لا تبحث عن رموز مخفية في كل شيء، وإنما تدرس كيفية اتصال الممارسات المادية بشروط الوجود الاجتماعي. وحين يتجاور إعداد الخبز مع القصف، والعمل في الأرض مع مراقبة التحركات العسكرية، تتكشف العلاقة بين استمرار الحياة اليومية وتعرضها المتكرر للانقطاع.كذلك لا يمكن التعامل مع المكان الحدودي باعتباره مجرد خط فاصل بين لبنان وإسرائيل. إنه مجال تتقاطع فيه السيادة والأمن والذاكرة والانتماء. ومن خلال هذه التقاطعات، تطرح الرواية سؤالا عن معنى أن يعيش الإنسان في مكان ينتمي إليه، بينما تظل قدرته على تقرير شروط حياته معرضة لتدخل قوى تتجاوز إرادته.الجسد والعمل المنزليتتيح شخصية مريم في الرواية توسيع القراءة من المجال السياسي المباشر إلى أنثروبولوجيا الحياة اليومية والجندر. فالمشهد الذي تبدأ فيه الرواية، يضع العمل المنزلي والحمل والقلق من القصف في سياق واحد.لا تظهر مريم في هذا المشهد خارج التاريخ، كما لو أن عالم النساء منفصل عن عالم السياسة والحرب. إنما يتجسد التاريخ في جسدها وفي عملها وفي مسؤوليتها عن استمرار الحياة المنزلية. فالحمل يجعل الخطر العسكري مرتبطا أيضا باحتمال الولادة والحاجة إلى الرعاية، فيما يفرض إعداد الطعام والمحافظة على انتظام المنزل جهداً إضافياً في ظروف غير مستقرة.تسمح هذه الصورة بقراءة الحرب من زاوية لا تمنح المواجهة المسلحة وحدها مركز الاهتمام. فالحرب لا تقع على الجبهات فقط؛ إنها تدخل إلى البيوت وتعيد توزيع الأعمال والمخاطر والمسؤوليات. وبينما قد يظهر المقاتل في الخطاب السياسي بوصفه الفاعل الرئيسي، تتحمل النساء أعباء يومية تتصل بإدامة الحياة، ورعاية الآخرين، والتعامل مع الخوف والاحتمال الدائم لانقطاع الروتين.لكن من الخطأ اختزال مريم في دور الرعاية أو جعلها رمزا مجردا للصمود الأنثوي. فالمقاربة الثقافية الأجدى هي النظر إلى ما تتيحه لها الرواية من أفعال وقرارات ومبادرات، وإلى كيفية انتقالها من موقع داخل المنزل إلى المشاركة في المجال الذي تتنازع فيه القوى السياسية والأمنية. وتشير معطيات الرواية التي يدور حولها هذا التحليل إلى مشاركتها في استعادة الكلاشينكوف، وهو ما يجعلها جزءا من الفعل المرتبط بالمقاومة، لا مجرد شاهدة على نتائج الصراع.وتكشف هذه الزاوية عن ضرورة التمييز بين حضور النساء في الرواية بوصفهن شخصيات مستقلة، وبين استخدامهن بوصفهن حاملات لمعانٍ رمزية جاهزة. فحين تتيح الشخصية النسائية رؤية الحرب من خلال العمل والجسد والعلاقات والقرارات، فإنها توسع المجال الاجتماعي للرواية، وتكشف أن السياسة لا تنفصل عن إعادة إنتاج الحياة اليومية.السلاح وشرعية المقاومةيشكل الكلاشينكوف في عالم الرواية موضوعا ماديا تتجاوز دلالته وظيفته العسكرية. فهو مرتبط بتاريخ من المقاومة، وبالعلاقات التي نشأت حول حمل السلاح واستخدامه، وبالتصورات المتنافسة بشأن الجهة التي يحق لها أن تقرر متى يستخدم ولأي غاية.تتضح هذه المسألة في المواجهة بين عبدو والعقيد مجد. فالمشكلة ليست مجرد مطالبة باسترداد سلاح أو التحقق من حيازته، بل خلاف على المرجعية التي تمنح استخدامه شرعيته. فمن جهة، تتقدم الدولة في الخطاب الأمني باعتبارها الجهة التي ينبغي أن تحتكر قرار القوة؛ ومن جهة أخرى، يستند عبدو إلى تجربة مقاومة تجعل شرعية السلاح مرتبطة بمواجهة الاحتلال وبالتضحيات التي ارتبطت بها.غير أن تحديد موقع العقيد مجد يتطلب التمسك بالسياق الذي تشير إليه الرواية :إنه يمثل سلطة أمنية مرتبطة بالوصاية السورية، وليس من الدقة وضعه تلقائيا في خانة ممثلي الدولة اللبنانية. وبذلك يصبح النزاع على السلاح جزءا من علاقة غير متكافئة بين مجتمع محلي عاش تجربة المقاومة وسلطة أمنية تسعى إلى ضبط المجال السياسي والأمني الذي يتحرك فيه.أنثروبولوجيا، لا يحمل السلاح معنى واحدا في جميع الظروف. إنه شيء مادي، لكنه يكتسب دلالته من علاقته بالذاكرة والخطر والشرعية. فقد يمثل حماية للجماعة في سياق، ويصبح موضع نزاع على السلطة في سياق آخر. ومن ثم فإن الصراع حول الكلاشينكوف هو أيضا صراع على المعنى: من يحدد ما إذا كان حمله دفاعا مشروعا، أو مخالفة، أو تهديدا؟ ومن يمتلك حق تعريف المقاومة نفسها؟لا يعني ذلك أن كل فعل مسلح مشروع لمجرد ارتباطه بالمقاومة، أو أن كل مطالبة بضبط السلاح تنتمي بالضرورة إلى مشروع قمعي. إنما تكمن المسألة في تحديد من يمارس سلطة القرار، وأي علاقات سياسية تحيط بها، وما إذا كانت القواعد التي يفرضها صاحب القوة تعبر عن مصلحة عامة أم عن توازنات الهيمنة.وتزداد المسألة تعقيدا حين يكون الفرد الذي يخضع للمساءلة جزءا من الجماعة التي صنعت شرعية المقاومة. فعبدو لا يواجه سلطة غريبة عن تاريخه السياسي فحسب، بل يجد نفسه أمام احتمال أن تستخدم لغة التنظيم والانضباط والقضية لتبرير إخضاعه. عندها تصبح أزمة السلاح أزمة في تعريف الانتماء، وفي العلاقة بين التضحية السابقة والحق في الاعتراض الحاضر.الجماعة وحدود الولاءتتيح شخصيات عبدو وراجي ورامز ومريم قراءة الرواية بوصفها دراسة في تعدد الاستجابات التي ينتجها الأفراد عندما تتعارض قناعاتهم مع الضغوط المحيطة بهم. فالهجرة، والاعتراض، والاستمرار في الالتزام، والمشاركة في الفعل السياسي ليست بالضرورة خيارات متناقضة بصورة مطلقة؛ إنها استجابات مختلفة لشروط اجتماعية وتاريخية تحد من حرية الأفراد أو توسعها.يمكن الاستفادة هنا من تصور ألبرت هيرشمان في كتابه Exit, Voice, and Loyalty، الذي يميز بين الخروج من المؤسسة أو الجماعة، والتعبير عن الاعتراض سعيا إلى تغييرها، والولاء الذي قد يدفع الفرد إلى البقاء فيها رغم تراجع الرضا عنها.لكن هذه الثلاثية لا ينبغي أن تتحول إلى قالب جاهز نصنف الشخصيات ضمنه. فالهجرة لا تعني بالضرورة التخلي عن الهوية السياسية، كما أن البقاء لا يثبت الموافقة على قرارات القيادة. وقد يكون الاعتراض نفسه تعبيرا عن ولاء لقيم الجماعة الأصلية، لا رفضا لها. لذلك تكتسب خيارات الشخصيات أهميتها من دوافعها وكلفتها الاجتماعية، ومن العلاقات التي تتيحها أو تقطعها.من منظور أنثروبولوجيا الانتماء، لا يعيش الفرد هويته السياسية بوصفها رأيا يمكن تغييره بسهولة. فالانتماء يتصل بالذاكرة المشتركة وبالعلاقات الشخصية وبالتضحيات التي تمنح التجربة معنى. ولهذا قد يكون الانسحاب من الجماعة مكلفا حتى عندما يصبح البقاء فيها صعبا، وقد يصبح الاعتراض أشد إيلاما حين يأتي من شخص يرى نفسه جزءا من تاريخها.تتضح هنا إحدى المفارقات الأساسية التي يمكن استخلاصها من الرواية: ليس من الضروري أن تأتي الأزمة من التخلي عن القضية؛ فقد تنشأ من التمسك بها حين تتغير المؤسسة التي تتحدث باسمها. يستطيع الفرد أن يظل مقتنعا بشرعية المقاومة، وفي الوقت نفسه يرفض أن تتحول هذه الشرعية إلى تفويض مفتوح لقيادة سياسية أو أمنية.هذا التمييز مهم لأنه يفصل بين القضية بوصفها أفقا أخلاقيا وسياسيا، وبين المؤسسة بوصفها تنظيما تاريخيا قد يصيب ويخطئ، وقد يدخل في علاقات قوة تتعارض مع المبادئ التي يستند إليها. ومن هنا تصبح خيارات الشخصيات مدخلا لفهم التوتر بين الهوية التي يختارها الفرد لنفسه والهوية التي تفرضها الجماعة عليه.اللغة والسلطةلا تمارس السلطة نفوذها بالقوة المادية وحدها؛ إنها تحاول أيضا فرض تعريفاتها للأحداث والأشخاص. فمن يملك سلطة تسمية الفعل يستطيع أن يؤثر في كيفية فهمه اجتماعياً، قد يصبح الاعتراض خروجا عن الانضباط، وقد تتحول المطالبة بالمحاسبة إلى شبهة، وقد يُعاد تعريف الولاء بحيث لا يعود التزاما بالقضية بل امتثالا للقيادة.في هذا المستوى، تكتسب المواجهة بين عبدو والعقيد مجد دلالتها من التنافس على اللغة التي ينبغي أن تُفهم بها العلاقة بين المقاومة والسلطة. فعندما يقول العقيد مجد إنه يتحدث مع عبدو بصفته ممثلا للدولة وليس للحزب، كما يرد في المقطع الذي سبق تناوله من الرواية، فإن العبارة ترسم فاصلا بين مرجعيتين، لكنها لا تحسم وحدها طبيعة السلطة التي يمثلها المتحدث. بل ينبغي قراءتها ضمن السياق الروائي الذي يحيل إلى الوصاية الأمنية السورية.تسمح هذه المواجهة بطرح سؤال يتصل بسوسيولوجيا اللغة: من يملك حق تعريف الواقع؟ فالكلمات السياسية ليست مجرد أوصاف محايدة، وإنما أدوات لتحديد المواقع الاجتماعية. وحين تنجح جهة ما في فرض تعريفها على الآخرين، فإنها لا تنتصر في جدل لغوي فحسب، بل تسهم في رسم حدود الشرعية والانتماء.ومن هنا يمكن الاستفادة من مفهوم باختين عن تعدد الأصوات والتوتر بين الخطابات داخل الرواية. فالرواية، بوصفها شكلا أدبيا، تستطيع أن تضع تصورات متعارضة للعالم في مواجهة بعضها، من دون أن تكون جميعها متساوية في القوة الاجتماعية.في “بيجو 504″، لا ينبغي النظر إلى الخطاب الأمني باعتباره كلاما يشرح موقف المؤسسة فحسب، ولا إلى خطاب المقاومة باعتباره صوتا يختزل الحقيقة كاملة. إن القيمة التحليلية للمواجهة تكمن في الكشف عن التفاوت بين من يمتلك القدرة على فرض تعريفاته، ومن يجد نفسه مضطرا إلى الدفاع عن معنى تجربته أمام سلطة تملك وسائل الإكراه.بهذا المعنى، تصبح الرواية فضاءً لاختبار اللغة السياسية نفسها. فهي تكشف كيف يمكن للمفردات التي تنتمي إلى عالم القضية والانتماء أن تدخل في صراع على تفسيرها، وكيف تتغير دلالات الكلمات عندما تنتقل من المجال الأخلاقي إلى المجال الأمني.الذاكرة ومقاومة النسيانتكتسب الرواية بعداً إضافياً حين ننظر إليها باعتبارها عملا يعيد تركيب ذاكرة مرحلة تاريخية من خلال تجارب أفراد يعيشون آثارها. فالذاكرة الاجتماعية ليست مخزونا موحداً للأحداث؛ إنها تتشكل من مواقع الناس المختلفة، ومن التجارب التي يحتفظون بها، ومن المعاني التي يمنحونها لما وقع.قد تتذكر الجماعة المقاومة سنوات الحرب من خلال التضحية والصمود، فيما تستحضرها عائلات أخرى من خلال القصف والنزوح وفقدان الاستقرار. وقد تحمل التجربة نفسها أكثر من معنى: تكون مصدر اعتزاز في جانب، ومصدرا للجرح والخوف في جانب آخر. ومن هنا لا يكون استحضار الماضي مجرد استعادة لتسلسل الأحداث، بل عملية يعاد فيها تحديد العلاقة بين الفرد والجماعة وبين الحاضر والتاريخ.تسمح هذه المقاربة بفهم أهمية الشخصيات في بناء الذاكرة الروائية. فالتاريخ لا يظهر من خلال الوقائع الكبرى وحدها، بل عبر أثرها في البيوت والعلاقات والقرارات. وحين تضع الرواية مصائر الأفراد في سياق القصف والوصاية الأمنية والمقاومة، فإنها تربط التجربة الشخصية بتحولات أوسع من قدرة الشخصيات على التحكم فيها.لكن ينبغي التمييز بين الذاكرة الروائية والتوثيق التاريخي. فالرواية تنتج حقيقة أدبية عبر الاختيار والتركيب والتخييل، ولا تكفي وحدها لإثبات كل تفصيل تاريخي أو تعميمه على المجتمع اللبناني. وتأتي قوتها من قدرتها على تمثيل التناقضات الإنسانية والاجتماعية التي قد تخفيها الروايات السياسية المنتصرة أو الاختزالية.وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى استعادة تجربة الوصاية الأمنية السورية بوصفها مساءلة لذاكرة السلطة: كيف عاش الناس حضورها؟ ما الذي فعلته بعلاقاتهم؟ وكيف بقي أثرها في معنى الولاء والخيانة والمقاومة؟ إن الرواية لا تستعيد الماضي لمجرد تثبيت صورة عنه، بل تتيح مساءلة الطريقة التي تُنتج بها المجتمعات معاني ذلك الماضي وتتنازع عليها.حدود القراءة الأنثروبولوجيةتحتاج هذه المقاربة إلى احتراز منهجي. فليس كل عنصر في الرواية رمزا سياسيا، وليست كل شخصية ممثلة مباشرة لفئة اجتماعية، كما لا يجوز تحويل العمل الأدبي إلى مادة إثنوغرافية يُستخلص منها وصف شامل للمجتمع.تستمد القراءة الأنثروبولوجية مشروعيتها من الربط بين التفاصيل الروائية وشبكات المعنى التي تنتظمها: السيارة وعلاقتها بالوصاية، والقرية وعلاقتها بالحدود والذاكرة، والسلاح وعلاقته بالشرعية، والعمل المنزلي وعلاقته باستمرار الحياة، والشخصيات وعلاقتها بالانتماء. أما تعميم النتائج على التاريخ اللبناني كله، فيحتاج إلى مصادر تاريخية واجتماعية مستقلة.كذلك لا ينبغي فرض النظريات على الرواية. فغولدمان يقدم أدوات لفهم العلاقة بين البنية الاجتماعية والبناء الأدبي، وباختين يساعد في تحليل تداخل الأصوات والأزمنة والأمكنة، فيما تتيح الأنثروبولوجيا الثقافية فهم الرموز والممارسات اليومية. لكن هذه المرجعيات تظل أدوات قراءة، لا بدائل عن تحليل اللغة والشخصيات والأحداث في النص نفسه.ومن الناحية النقدية، يمكن أن يظل السؤال مفتوحا حول مدى نجاح الرواية في تحويل الوقائع السياسية إلى بنية فنية، أو حول المواضع التي يتقدم فيها التفسير السياسي على بناء الشخصية والحوار. غير أن الإجابة الدقيقة عن هذه المسائل تقتضي الرجوع إلى النص الكامل ومقارنة المشاهد ببعضها، لا الاكتفاء بالمقاطع المتاحة أو بالملخصات السابقة.من الرمز إلى المجتمع تكشف القراءة الأنثروبولوجية الثقافية لـ”بيجو 504″ أن دلالة الرواية لا تستنفدها الإحالة إلى النفوذ والوصاية الأمنية السورية، على أهميتها المركزية. فهذه الإحالة تفتح الباب أمام سؤال أوسع عن الطريقة التي تتغلغل بها السلطة في الحياة الاجتماعية، وكيف تؤثر في العلاقات التي تمنح الأفراد هويتهم، وكيف يمكن للقضية التي تجمع الناس أن تصبح موضوعا للتنازع على تعريفها واحتكار تمثيلها.تتحول السيارة إلى علامة على الوصاية، لكن معناها لا يكتمل إلا من خلال الخوف الذي تستدعيه والمعرفة الاجتماعية التي تحيط بها. وتتحول القرية الحدودية إلى فضاء تتقاطع فيه الحرب مع العمل اليومي والذاكرة والانتماء. ويصبح الكلاشينكوف موضوعا لصراع على الشرعية، فيما تكشف خيارات عبدو وراجي ورامز ومريم عن اختلاف السبل التي يسلكها الأفراد حين تتعارض القناعة مع شروط البقاء داخل الجماعة.والخيط الذي يصل هذه المستويات هو أن السلطة لا تكتفي بالسيطرة على المكان أو السلاح؛ إنها تنازع الأفراد أيضا على تعريف ما يعيشونه وعلى المعنى الذي يمنحونه لتجاربهم. ومن هنا تأتي أهمية الرواية: إنها تتيح الانتقال من تاريخ الوصاية بوصفها نظاما للهيمنة إلى خبرة الوصاية بوصفها علاقة اجتماعية تدخل في تشكيل الحياة اليومية والذاكرة والهوية.في النهاية، لا تطرح “بيجو 504” سؤال السلطة وحدها، بل سؤال المجتمع الذي يعيش تحتها، والجماعة التي تتشكل في مواجهتها، والفرد الذي يحاول الاحتفاظ بمسافة أخلاقية بين انتمائه وحقه في الاعتراض. وهذا ما يجعلها قابلة لقراءة تتجاوز التوثيق السياسي إلى سوسيولوجيا الرواية والأنثروبولوجيا الثقافية: قراءة تبحث في كيفية تحول التاريخ إلى تجربة معيشة، وكيف تصبح الأشياء والأمكنة والعلاقات حاملة لمعان تتجاوز ظاهرها، وكيف يظل معنى المقاومة موضع نزاع كلما حاولت سلطة ما احتكاره.
‐‐——
*دكتوراة في الأنثروبولوجيا الاقتصادية، كاتب، باحث، مدرّب، خبير في الحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي مركز الحداثة الديمقراطية في الشرق الأوسط.
